برنامج مشارف: الذرر الثقافية والنفائس المعرفية قراءة في حلقة الخط المغربي

112

د. جلال المرابط – الرباط

  تتنوع الرؤى الثقافية والتصورات الهادفة والتنظيرات المختلفة في برنامج مشارف، الذي تبثه القناة الأولى المغربية مساء كل أربعاء، وهو بحر مليء بالذرر والنفائس العلمية والمعرفية التي تغني المجال الثقافي برمته. ولعل التدبير المحكم لمعده الشاعر والإعلامي ياسين عدنان، والطاقم المحنك؛ يساهم في تغيير ملامح المادة الثقافية ويمنحها بعدا آخر من الإبداع سواء ما تعلق منها بالنصوص الأدبية أو الشعر أو قضايا ثقافية أخرى، فالبرنامج  يتفاعل بشكل محكم مع هذا المجال ويتعرض بدقة لأهم النظريات، ويرصد الأبعاد المختلفة لأهم القضايا والإشكالات الثقافية، ويحرك بشكل مائز عمليات الاتصال الثقافي. لأن الإعلام فن تخاطب وفن تواصل وفن تفاعل، والإعلام متداخل مع الثقافة. وبذلك يتسم البرنامج بسمات إيجابية لدى المثقفين في المغرب وفي كل ربوع الوطن العربي.

 لقد شدني إلى هذا القول مشاهدتي لحلقة الخط المغربي، فصادرتني قراءة في الحلقة رُمتُ من خلالها طرائق الأسئلة التي جابت الجوانب التاريخية والحضارية والبلاغية والجمالية والأسس المظهرية والمجالات النقدية وارتباطاتها بالنصوص الشعرية، وارتباطها كذلك بالبلاط المغربي ودخوله المجال السياسي والثقافي والاجتماعي، وكشْف النقاب عن خصوصيات الخط المغربي الصحراوي والدور الذي لعبه في النسيج السياسي والثقافي عن طريق العلاقة التجاورية والتطابق على المستوى الفني.. فأضحت الحلقة موسوعة بصرية خصوصا وأن مجال الخط من الناحية الثقافية والعلمية والمعرفية منسي عهده في القنوات التلفزية، فكان من حسنات هذا البرنامج على القناة المغربية الأولى أن وسع النطاق وأدخل الخط في مساحة تواصلية أسهمت في تنوير المتلقي وفي لفت النظر إلى المجال العلمي والمعرفي في الخط العربي عامة والمغربي خاصة. لأن معظم الناس يعرفون الخط العربي أو المغربي كخط زينة فقط ولا يعرفون مكنوناته والتحولات التي أسهم بها على شتى المستويات، والسبل المظهرية الإقناعية وفق أنظمته المتنوعة لأداء مهام ثقافية وسياسية واجتماعية وروحية.. عن طريق البيان وعن طريق مشروع التأويل وتحقق التواصل، وكذلك تحقيق السيادة. لقد كانت حلقة الخط العربي والمغربي غنية بالمعارف والمعلومات وأدت دورا هاما جدا في رسم صورة خطية مظهرية عامة للمُشاهد في المغرب وفي البلدان الأخرى قوامها الحرف، إلى غير ذلك مما حملته حلقة برنامج مشارف من أفكار وتصورات كما هو الشأن بالنسبة للخط في المصاحف القرآنية في علاقته باللغة العربية من حيث الجانب البلاغي والبياني، ومساهمة البلاط المغربي في هذا البيان كالخط الذي اخترعه الخليفة السعدي احمد المنصور الذهبي مع لفت النظر للخط المغربي المبسوط الذي كتب به السلاطين المغاربة المصاحف القرآنية وسبب الكتابة به. كذلك رامت الحلقة التماثل الحاصل في الإبداع الشعري وفي الفن البصري حين الإشارة إلى العلاقة القائمة بين فن الشعر وفن التصوير، في استدلال بقصيدة ابن زمرك التي كتبت على الجدران في قصر الحمراء وهو مجال في الكتابة الخطية بصنعها النظام والجمال الذي يغدو موضوعا بدلالات أخرى في مستويات متعددة، واستدلال آخر بالبيت الشعري الذي كتب على الخشب في المدرسة المرينية بسلا الذي يحتوي بلاغة بصرية كما هو الشأن بالنسبة لبلاغته على مستوى السمع فلا يمكن إزالة حرف واحد وإلا فسد التركيب الدقيق للخط واختل التوازن. ولم يغفل البرنامج عن القصيدة الكاليغرافية في إشارة إلى التحفظ بخصوصها من حيث الدعوة الى تحريك الجسد بينما تم السقوط في مفارقة وتناقض بين ما تمت الدعوة إليه وما تمت ممارسته على مستوى الواقع أو من خلال ما تم التوصل إليه من نتائج.

لقد استندت حلقة مشارف هاته إلى ما يزخر به التراث العربي الاسلامي عامة والمغربي خاصة من قيم خطية وجمالية في جولة سريعة عبر التاريخ دون إغفال النقاد المغاربة والأندلسيين في القرنيين السادس والسابع الذين ابتدعوا أشكال شعرية جمالية بخطوط مغربية وأندلسية. لقد وضع البرنامج المُشاهد العربي والمغربي أمام جهاز خطي مفاهيمي بلاغي تاريخي في ظرف وجيز. والأجمل أن البرنامج اختُتِم بقراءة خطية في عناوين الكتب التي يقدمها البرنامج عادة حيث رصد التوليف بين نوع الخط وعنوان الكتاب. فخطاب العتبات بطله الخط من حيث الشكل ومن حيث النوع، فقدم معد البرنامج ياسين عدنان عناوين الكتب بالخطوط التي كتبت بها، وهي سابقة حول تقديم الكتب في تاريخ البرامج الثقافية في كل الوطن العربي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات