مذبحة الكبكب حيث سقطت اللغة العربية

محمد جدّي حسن

كاتب تشادي

قبل سنة من اليوم، قال الرئيس التشادي إدريس ديبي: “أنتم العَرَبْفون، لازم تمشوا شوية شوية، ولا تستعجلوا. فقد أتيتم بتأخير، والفرنسية متقدمة عليكم بستين سنة”. كان هذا الكلام ردّاً على صحافيّ عَرَبفونيّ طرح سؤالاً بالعربية الفصحى التي لم يفهمها الرجل، وهو الذي لا يعرف من العربية إلا اللهجة الدارجة وعدداً من المفردات الفصيحة التي تعلمها حين كان ثوريّاً على الحدود.كثيرون يعرفون أن الفرنسية متقدمة على العربية في تشاد، لكن القليل يعرف أن ثمة أسباباً أدتْ إلى تقهقر العربية لتترك مكانها للغة المستعمر. وقبل قرن من تعليق فخامة الرئيس، وقعت حادثة اشتهرت باسم “مذبحة الكبكب” وكانت سبباً مباشراً في في ترك العربية مكانها للغة جديدة.

الرئيس الذي قال إنه يحب كتب التاريخ ويقرأها أكثر من أي مجالٍ آخر، فاتته أحداث تاريخية مهمة جداً من تاريخ بلاده. فبحلول العام 1905، تمكن المستعمر من السيطرة العسكرية على كامل الأراضي، وذلك بعدما دارت معركة بين قواتها، وأتباع مزعجهم الأكبر “رابح ود فضل الله”، ثم طاردت ابنه وجنوده حتى قضت عليهم. لكنّ ذلك لم يكن كافياً لأنّها لم تأتِ لتسيطر عسكرياً فقط وإنما لاستعمار هذه البلاد، فبدأت حملة تنصيرية كبرى في أرجاء البلاد.

الشمال الوعرقبل أن يصل الفرنسيون إلى هذه الأراضي التي عرفت لاحقاً باسم “تشاد”، كانت اللغة العربية هي لغة الدواوين والوثائق والرسائل المتبادلة بين الممالك الإسلامية الضعيفة، ولغة العلم، كما أن هناك مكانة نبيلة لرجال الدين، وتلاميذهم العارفين بالدين الإسلامي.

قام المستعمر بتمشيط كامل للأرضي، تلك الجولة أتاحت له معرفة تفاصيل مهمة جداً.
شمالٌ وعرٌ يدين بالإسلام، وفيه ممالك صغيرة في طور الاندثار تحتمي بمعرفة يحتفظ بها رجال دين مقربيين جداً من البلاط، ويشكلون الرأي العام، ومعادين للرجل الأبيض القادم من البعيد، ويكرهون دينه. وجنوبٌ منبسط الأراضي، ومفكك بالحروب القبلية وبلا مركز أو سلطة جامعة، يدينُ أهلها بالوثنية. فعرفوا من أين يمكنهم البدء.

دخل الجنوبيون في الدين الجديد جماعات من دون أيّ صعوبة تذكر، لأنهم كانوا وثنيّين على الأغلب، ومن لديهم ديانات أخرى لم تكن سوى ديانات شعبية غير راسخة الأسس. أغلب من كان يعيش في الجنوب اعتنق الديانة الجديدة، أو تظاهر بذلك، ومن رفضوا ترْكَ تعاليم أسلافهم، سِيقُوا مكبلين إلى الكونغو ليعملوا كالعبيد في تأبيد الطرق، وإنشاء سكك حديدية؛ لفظ أغلبهم أنفاسه تحت وطأة العمل، ولم يعد منهم إلاّ اليسير. في الشمال لم يكن الأمر سهلاً، فالسكان ينتمون إلى الإسلام، ورفضوا الدين الجديد، بل رفضوا حتى التعليم فبدأ صراع جديد. كان رجال الدين هم من صعّبوا مهمة المستعمر إذْ كانوا يُلقون الفتاوى ويخطبون في الناس وينشرون تعاليمهم التي تعارض كلياً ما خطط له المستعمر.

كان العلماء مجموعة من دارسي العلم الشرعي يرافقهم مئات التلاميذ والخدم والعبيد. وكانت لديهم سلطة في البلاط الملكي. وعلى الرغم من أن الفرنسيين تمكنوا من السيطرة العسكرية إلاّ أنهم أدركوا باكراً أن ما يلدغهم سوف يخرج من جلباب رجال الدين.

استطاع الشيوخ نشر فكرة أن التعليم في مدارس المستعمر ما هي إلا ذريعة لإخراج المسلمين من ديانتهم، فرفض غالبية المسلمين التعلم في المدارس الفرنسية، بل فرّ المئات إلى خارج تشاد، وبعضهم ذهب إلى عمق الصحراء كي لا تلاحقه خيول الرجل الأبيض ويجلس ليتعلم لغته. وبحلول العام 1915 كانت التوترات قد بلغت أشدها، وثمة أصوات تنادي بإسقاط سلطان الممكلة وتبديله برجل آخر يخاف الله ويحب العلماء؛ وتلك الأصوات كانت تخرج من المساجد والحلقات.

“فيومئذٍ وقعتِ الواقعة”الخامس عشر من تشرين الثاني 1917 بُعيد صلاة الفجر، كان النسيم يداعب خدود مئات من نخبة رجال الدين وتلاميذهم في ساحة المسجد المكتظة بالجلاليب التي تتجاذب أصحابها آيات قرآنية ومدائح نبوية حين سمعوا دوي رصاصة ثقبت رأس العقيد دكوم، الرجل الذي اجتمعوا ليتوّجوه سلطاناً على بلاد المسلمين. وفي لمح البصر هوجموا بسواطير يحملها جنود سنغاليون وسالت الدماء. وبعد ساعات دُفنوا في مقبرة جماعية بوادي أم كامل وتضاربت الآراء حول عددهم، ثم اختلفت الروايات عن السبب الحقيقي وراء قيام الفرنسيين بقتل هؤلاء العلماء.

مَن اغتال نصرانياً.. دخل الجنة
يذهب العديد من المصادر إلى أن هذه العبارة هي فتوى لأحد الشيوخ الذين ماتوا في المذبحة، ورغم أن بعض المصادر ذكرت أسماء إلاّ أننا لا نعرف بالضبط أي رجل أفتى بهذه، بيد أنّ المصادر الشفهية والكتابية وحتى الفرنسية اتفقت على وقوع المجزرة لكن السؤال الذي ظلّ يؤرق التشاديين هو: ما السبب الذي جعلهم يقومون بشيء فظيع كهذا؟

ثمة روايتان في كتب التاريخ، وحولهما دارت المصادر الشفاهية إذا تقول الأولى: أن هناك عبداً لشقيقة السلطان يدعى “خير جاء”، قام بقتل أحد الضباط الفرنسيين طعناً أثناء حفل شعبي في المدينة. وحين اعتقل وعذب اعْترف بأنه قتل الضابط طمعاً في دخول الجنة؛ لأن العلماء أفتوا بأن من قتل نصرانياً دخلَ الجنة، وأنه سمع الفتوى داخل المسجد. وعلى هذا الاعتراف بنى القائد الفرنسي المسؤول عن المنطقة، فكرة أن رجال الدين يعدون العدة لإقامة ثورة ضد فرنسا بدءاً بقتل الجنود.

أما الرواية الثانية فتذهب إلى أن مسؤول الحامية الفرنسية أصدر قراراً يبيح لجنوده عِرض المطلقات، وحاولت الإدارة تطبيق هذا القرار بالقوة لإمتاع جنوده مما دفع أحد الشيوخ ويدعى “يحيى ولد جرمة” إلى الثورة ودعوة المسلمين إلى المقاومة، فألقي القبض عليه وزج ومن معه في السجن، ثم إمعاناً في إذلال الثائرين، اعتقلوا ابنة عم الشيخ يحيى وقُدّمت لجنود الحامية إلا أنها تمكنت من قتل الفرنسي الذي دخل عليها بساطور التقطته من الأرض. فقررت الإدارة قتل الشيوخ وتلاميذهم بالساطور كي يرسلوا رسالة إلى الشعب.

أثناء حدوث العملية تمكن البعض من الهروب إلى السودان الذي أنعشوه بمعارفهم. وبعض العلماء كانوا طلاباً في الأزهر والمغرب وبعضهم كانوا في مدن أخرى فتمكنوا من النجاة، غير أنهم اضطروا للفرار بعيداً كي ينجوا بأرواحهم. 

لماذا مجزرة الكبكب بالذات؟ 
ليست هذه هي المرة الأولى التي يُقتل فيها عشرات التشاديين على يد المستعمر، ولم تكن الأخيرة. في العام 1942 قتل الفرنسييون أكثر 600 شخص قرب مدينة مسورو، ثم أحرقوا المدينة انتقاماً لموت ضابط فرنسي على يد شاب يدعى نوري. لكن لا ننفكّ نعيد الحديث عن المذبحة لأن من ماتوا فيها ليسوا أناساً عاديين، وإنما نخبة العلماء التشاديين آنذاك. كان القضاء عليهم سبباً مباشراً في تمكين المستعمر وتثبيت أقدامه ونشر ثقافته في ربوع البلاد. فمن ماتوا كانوا يحفظون القرآن ويتقنون العربية، وتلاميذهم يرددون الألفية العراقية، وحاشية الصاوي، ويشرحون البخاري ومسلم.

وعقب الحادثة، دبّ الذعر في قلوب السلاطين والكونتونات وشيوخ العشائر فرضخوا لإرسال أبنائهم إلى مدارس المستعمر وهكذا تمكن الفرنسييون من تكوين كوادر جنوبية مع أقلية من الشماليين المحصورين في أبناء السلاطين وأصهارهم، واعتبرت اللغة الفرنسية لغة رسمية للبلاد إلى جانب العربية، التي بدأ تهميشها منذ ذلك اليوم حتى تاريخ كتابة هذه المقالة.

لا تاريخ بلا وثائقلم يكتفِ المستعمر بالقتل والحرق، وإنما ذهبت أياديه إلى الأرشيف التشادي الذي أخذته ووضعته هناك، وربما بسبب ذلك لا توجد مصادر كثيرة حول المذبحة باللغة الفرنسية، وإنما بضع مقالات فقط، بينما كتب الدارسون بالعربية العديد من الكتب حول الحادثة التي وردت بالطريقة الآتية في أغلب المصادر الشفاهية:

في الخامس عشر من نوفمبر 1917 دعي نخبة من علماء مدينة أبشة؛ عاصمة ممكلة ودّاي كي يقرؤا القرآن ويباركوا اختيار المستعمر لمرشحهم ليدخل القصر الملكي ويحكم بالتي هي أحسن. وهكذا وصلوا من كل الحارات، بل إن البعض وصل من مدن مجاورة لحضور هذه المناسبة المهمة. وبعد ساعات من السهر والإعياء وقبيل الشروق أمر القائد الفرنسي الذي رتب الأمر برمته بإطلاق رصاصة على رأس من اختاروه ليكون سلطاناً وهكذا ثقبوا جمجمة العقيد دكوم وكانت الطلقة بمثابة صفارة الإنذار كي تنزل السواطير على أعناقهم وتدقها حتى تفصلها عن الرأس.

ما يحز في نفسي الآن هو أنه، حتى اليوم، أي بعد مرور مئة وثلاث سنوات، لم تعتذر فرنسا عن الجريمة رغم أن الدولة الفرنسية أقامت محاكمة هزلية لمسؤول المنطقة فعاقبته بالتقاعد المبكّر. كما أن الجمهورية التشادية، ومع تعاقب الحكومات عليها، لم تتحدث بشكل رسمي عن المجازر ولم تقم لها أي ذكرى أو مناسبة وكأن شيئاً لم يكن! 

التعليقات (0)
إضافة تعليق