التعليم المغربي وغياب الرؤية الاستراتيجية

103

د.يوسف محمد بناصر – أستاذ باحث وكاتب مغربي

يبدو أن المدرسة المغربية تعيش مأزقا تناقضيا بين الانخراط في بناء مجتمع معرفي ديمقراطي حداثي وبين تفكك القيم المدرسية والتربوية والمجتمعية، وما حدث أو يحدث من عنف داخل الفضاء المدرسي بين التلاميذ والأساتذة يعد مسألة خطيرة ومؤشرا على أن التوجهات التربوية الرسمية والقيم التي كانت المؤسسات التعليمية تحملها قد انهارت بشكل لم تعد هذه المؤسسات قادرة على استيعاب المتغيرات الأخلاقية المتشوهة وغير قادرة على تقويم تلك المدركات المعرفية أو الروحية والعاطفية التي يختزنها المتمدرسون ومن تحتضنهم أسوار المدرسة.

وبشهادة القائمين على هذه المؤسسات من أعلى قمة الهرم الى أسفله، فإننا فقدنا السيطرة على هذا الجيل بسبب فقدان استراتيجية واضحة تبني المواطن الصالح قبل التلميذ المجد والمتخلق، إننا نبني جيلا من التائهين والفوضويين والفارغين من الداخل قيميا ومعرفيا وروحيا، وتبقى مسؤولية انهيار هذا القطاع الحساس الذي يعد العمود الفقري لأي شعب يبقى مسؤولية من يضع السياسات العمومية المرتجلة ويضرب عرض الحائط بالنصائح والإرشادات التي يقدمها من له الخبرة وتراكم التجربة، وخبر الميدان من خبرائنا والباحثين من أبناء شعبنا الأبي، ويعوض كل ذلك بآراء خبراء لا يدركون نسقنا الثقافي والروحي والاجتماعي من الخارج.

وعندما تفشل المنظومة وما قدموه من رؤى إصلاحية يعودون إلى نقطة الصفر وللبداية من جديد، وينسون أنهم يبنون الإنسان وفشل المشروع يعني تضعضع لذلك الإنسان وخراب له، وهو مما لا يتم إصلاحه أو تقويمه ولو بعد حين، وناقوس الخطر الذي دق ليست هي هذه الأحداث العنيفة التي وقعت منذ مدة ولكن الخطر كل الخطر يبقى هو الجيل نفسه الذي لن يقدر أحد على ترويض سلوكه أو إعادة إدماجهم في نسقنا الروحي والحضاري، وسيمثلون أفقا مشوها لما سيكون عليه مجتمعنا مستقبلا وصورة بلا معنى للديمقراطية والحداثة التي ينشدها صناع القرار التربوي المغربي.

إن التعليم المغربي يعيش حالة اضطراب خطيرة باعتراف المؤسسات الرسمية من أعلى قمة الفاعلين إلى أدناها، فبعد الخطب الملكية تأتي تقارير صادرة خصوصا من المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الأعلى للتربية والتعليم والبحث العلمي وهما مؤسستان رسميتان لتؤكد هذه المؤسسات الوضعية المزرية التي يتخبط فيها قطاع التربية والتعليم المغربي، وتبقى إشكالية العجز على الإصلاح منذ العهد الجديد مرتبطة بالأحزاب السياسية التي لا تمتلك رؤية استراتيجية لأي مشروع مجتمعي حداثي يتأسس على المعرفة والمدرسة على وجه الخصوص.

وقد حاولت المؤسسة الملكية من خلال تأسيس المجلس الأعلى للتعليم الخروج من هذا المأزق، ولكنها اصطدمت بواقع مزري ارتبط بجمود العقليات التي تقوم على تدبير القطاع عموما وغياب الإبداع والفاعلية المطلوبة للإسراع بإصلاح قطاع يتهم من جميع الأطراف بأنه ينتج المعطلين ويستهلك من ميزانية الدولة الكثير ويثقلها بالتزامات أكثر.

لقد شهد المغرب منذ عدة أسابيع إضرابا وطنيا بسبب تفشي ظاهرة العنف المدرسي والموجه من التلاميذ ضد أساتذتهم، وحقق الإضراب نسبة مشاركة مشجعة وتعبر عن درجة الخنق من سياسات الحكومة في مجال التربية والتعليم، نجح الإضراب بالرغم من كل الظروف التي أصبحت تحاصر العمل النقابي؛ بسبب قرارات الحكومة السابقة بإقرارها الاقتطاع من أجرة المضربين واتهامهم بالانقطاع عن العمل، لمجرد ممارسة حق دستوري ألا وهو الحق في الإضراب عن العمل.

أمة اقرأ التي ننتمي إليها إلى اليوم تحتل جامعاتها ومعاهدها رتبا دنيا ضمن قائمة الجامعات المصنفة دوليا كما تحتل رتبا سيئة جدا ضمن قائمة مجتمعات المعرفة

مواقع التواصل

إن فشل الدولة المغربية في بناء قطاع مهم كالتعليم ليكون متماسكا ومنتجا للقيم والمعرفة، هو فشل في بناء الوطن والمواطن، ولا أرى أولوية تعلو على أولوية التربية والتعليم وتخريج مواطنين أصحاء عقلا وروحا، يقظين متشبعين بالحضارة والتاريخ، وعدم القدرة على بناء الإنسان يعني فقدان الرؤية في إصلاح بقية القطاعات الأخرى، ولا يمكن بحال من الأحول الاعتماد على مواطنين منخورين داخليا ليكونوا بناة الوطن وأمجاده أو ليقوموا بالدفاع عن حدوده أو قيمه ورموزه.

إن إصلاح المدرسة المغربية يحتاج إلى وقفة علمية جادة وإرادة سياسية قوية وتوجها صادقا للكشف عن مواقع الخلل لإصلاحها، ويحتاج كذلك لتجديد النفس في المنهجيات والبيداغوجيات وبناء توجهات كبرى؛ يعتمد عليها في بناء إنسان مواطن يسمو بالمعرفة ويعتز بانتمائه الروحي والحضاري.

إن أمة اقرأ التي ننتمي إليها إلى اليوم تحتل جامعاتها ومعاهدها رتبا دنيا ضمن قائمة الجامعات المصنفة دوليا كما تحتل رتبا سيئة جدا ضمن قائمة مجتمعات المعرفة، وهي تصنف في قائمة المجتمعات التي تنشر فيها الأمية بنسب كبيرة، وللأسف، هذا كله والدول العربية تمتلك طاقات وثروات مما لا تمتلكه بقية الدول العظمى بحيث يمكن بها صناعة المعجزات.

وبالعودة للحديث عن أزمة التعليم والمدرسة المغربية أظن أن الحل للخروج من مأزق اضطراب السياسات العمومية في هذا الشأن يكون المخرج منه بخصخصة القطاع وإخراجه من تحت كنف الدولة والتسيير العمومي وإبعاد الأحزاب عنه أو بجعل قطاع التعليم قطاعا سياديا لا تتدخل فيه الأحزاب السياسية وأن يكون تسييره تحت إشراف الملك مباشرة كما هو واقع قطاع الأوقاف والجيش والدبلوماسية وتلغى وزارة التربية والتعليم، وأن يتكفل المجلس الأعلى للتربية والتعليم بتدبيره بعد انتخاب وتعيين أعضاء خبراء يتصفون بالأمانة العلمية والجدية اللازمة، ليضعوا رؤية استراتيجية محددة الأهداف بمؤشراتها وجدول زمني فيحرصوا على تنزيلها بدقة ووضوح ومسؤولية.

فتردي الوضع في قطاع التعليم يكاد يقضي على بقايا الآمال المعقودة عليه، ونحن نعلم أن الفشل في بناء الإنسان له عواقبه الخطيرة على مستقبل المجتمعات والدول، ولا يمكن مقارنة تداعيات فشل مهندس في بناء عمارة بتداعيات فشل مهندس آخر في بناء فرد واحد، فهذا الأخير، يستمر في إنتاج نفس النسق الفاشل بالتربية والسلوك الاجتماعي والممارسة اليومية، مما يعني إنتاج مجتمع معاق معرفيا وسلوكيا ووجدانيا، وهو ما سيؤدي إلى نتيجة أعظم وهي إنتاج حضارة معاقة، وهو ما يقع الآن في مختلف بلداننا ومجتمعاتنا العربية بسبب التراكم التاريخي السلبي المستمر والمتعلق بالفشل في بناء نموذج معرفي وتعليمي متقدم، وكذلك عجزنا على إحداث قطيعة ابستمولوجية ونفسية مع تقاليدنا التعليمية ومناهجنا.

وتبقى آمال إصلاح التعليم المغربي معقودة كذلك على رجال التعليم بمختلف مسؤولياتهم ومدى انخراطهم وفعاليتهم وقدرتهم على الإبداع، والنضال المستمر من أجل تحقيق مجتمع المعرفة مع مزيد إيثار وأناة وتجرد، ليبلغوا رسالتهم النبيلة والتنويرية على أكمل وجه مهما كانت الظروف والتحديات، رافعين مشعل العلم في وجه ظلمات الجهل والخرافة والتطرف والعصبية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات